الصحة النفسية: ما هي؟ ولماذا تحتاج تعريفًا واضحًا لها؟

مع تزايد الحديث عن القلق والاكتئاب وجروح الطفولة مؤخراً، وانتشار موجة واسعة من المصطلحات النفسية والنصائح السريعة على منصات التواصل، أصبح الكثير من الناس يبحثون عن “كيف أتجاوز؟” و“كيف أتحسن؟” و“كيف أرفع من جودة حياتي؟”… من دون أن يسبق ذلك سؤال أساسي: ما هي الصحة النفسية أصلًا؟
فالكثير يعتقد بأن الصحة النفسية هي السعادة والراحة النفسية الدائمة، والبعض يظن أنها الهدوء والسكينة المستمرة، وآخرون يعتقدون بأنها القدرة على التحكم الكامل في المشاعر والانفعالات.. ولكن هل هي كذلك فعلًا؟
وهنا يأتي السؤال المحوري: كيف تبني شيئًا لا تعرف تعريفه؟
أنت لا تستطيع التعامل مع ما لا تفهم، ولا تستطيع قياس تقدّمك نحو شيء لم تحدد معناه. فكأنك تقول: “أريد أن أصبح ناجحًا” دون أن تعرف ما هو النجاح بالنسبة لك، وكيف يبدو، وكيف يُقاس؟
ولذلك، قبل أن التحدث عن “طرق” تحسين الصحة النفسية، نحتاج أولًا أن نفهم تعريفها بدقة، ليس كتنظير، بل كبوصلة رحلتك لبناء صحتك النفسية.
فالصحة النفسية حسب منظمة الصحة العالمية هي: ليست مجرد غياب الاضطراب النفسي بل هي حالة من العافية النفسية، تمكّن الإنسان من:
- بناء علاقات وتفاعل صحي مع المحيط
- التكيّف مع ضغوط الحياة الطبيعية اليومية
- المساهمة في بناء مجتمعه بشكل إيجابي
- إدراك إمكانياته وقدراته
- العمل والأداء بإنتاجية
بشكل مبسط الصحة النفسية ليست مجرد مزاج سعيد وعالي دائم، بل هي قدرة داخلية تساعدك أن تعيش، وتتكيّف، وتقوم بدورك في الحياة وتنتج، حتى عندما لا تكون الأيام سهلة.
ولتبدأ رحلتك بشكل صحيح: اسأل نفسك هذه الأسئلة الثلاثة:
- التكيّف مع الضغط: هل أستطيع في غالب الأحيان أن أتعامل مع ضغوط الحياة دون أن تنهار حياتي، أم أنني أنهار في كل مرة أواجه فيها الضغوطات؟
- الوظيفة والأداء: هل أستمر في تأدية مسؤولياتي الأساسية تجاه نفسي وعملي والآخرين (نوم، نظافة، عمل، علاقات، التزامات) بشكل مقبول حتى عندما أتعب نفسيًا؟
- العودة إلى الاتزان: عندما أتعثر أو أمرّ بمرحلة صعبة… هل أستعيد توازني خلال مدة معقولة، أم أبقى عالقًا لفترة طويلة؟
إذا كانت إجابتك “لا” في سؤالين أو أكثر، فهذه ليست إدانة لك… بل إشارة واضحة لنقطة البداية
أنت لا تحتاج فقط “نصيحة سريعة”، بل تحتاج أن تبني أساسًا نفسيًا أقوى—أساسًا يساعدك على التكيّف، والاتزان، والعيش بجودة أعلى.
وختاماً: الصحة النفسية لا تعني أنك لا تحزن، ولا تقلق، ولا تغضب.. بل تعني أنك تفهم ما يحدث داخلك، وتتعامل معه بمرونة، وتستعيد توازنك لتكمل مسيرة حياتك.
دمتم بعافية وازدهار
محمد الحيدر
استجابات